أرشيف | يوليو, 2010

صاحبيّ السجن..

2 يوليو

 

كنا ثلاثة .. بلا كلب باسطٍ ذراعيه بالوصيد!

 كنا صغارًا أطفالاً.. لكن حينما نجتمع نحن الثلاثة، ننسى طفولتنا ورائنا ونتحول إلى شيئ آخر..

لقاءاتنا .. أحاديثنا ..قهوتنا.. شاينا ..  كلها كانت تدور حول مضمون واحد: …الكتب!

كانت كل حواراتنا تبدأ بجملة واحدة:

–        لقد أنتهيت لتوي من قراءة “XYZ” الذي كتبه “س×××ص ع” ..

ثم تفيض ينابيع الحوارات وتتدفق من بين أيدينا وأرجلنا تدفق زمزم بين رجلي أسماعيل.. ونسرح بلا شعور في حوارات أدبية.. فكرية.. محرمة.. مباحة.. سياسية.. حياتية.. وبالرغم من إننا محافظين نسبياً وأحدنا متدين، إلا أنه لم تكن هناك أي حدود وحواجز لما نتداوله بيننا..

ولسبب لا زلت أجهله، ودون أتفاق مسبق منا، فقد كنا حريصين على كتم العلاقة ودفنها كحرص الصوفي على ستر طاعته وإخفائها..

لذا فلم نكن نتحدث أطفالاً كنا أم كبارا صرنا عن هذه العلاقة، ولا زلنا نحرص على إخفاؤها كرسائل عشق محرمة بين طيات الكتب.

ولعل من أسباب رغبتنا في دفق العلاقة، هو إختلاف الشخصيات والنظرة إلى الحياة، فقد كان الأول يعتقد بإننا يجب أن ننشر ثقافاتنا ونتباهى بها لتنتشر و تكون صرعة يتغنى بها الجيل، لذا فقد كان حريصاً على كتابة المقالات، الظهور في المقابلات، التحدث في المنتديات، والمشاركة في فعالية صغيرة أم كبيرة.. وكان تصرفه يثير حنقنا وحفيظتنا! لا لإنه يحب الظهور، ولكن لإنه يحب قطف الثمار قبل نضوجها، فقد كانت يتلقى المعلومة بلسانه لا بأذن تصغي ولا عقل يحلل، ولا يكاد يقرأ عن موضوع أو يزور بلداً إلا وسارع في الحديث كأنه الخبير في هذا الموضوع!

أما الثاني، فقد كان – ولا يزال مثقفاً درويشاً- يعتقد أن الهدف الوحيد من الثقافة هو: “اهدنا الصراط المستقيم” – تلك الآية أو الدعاء الوحيد في سورة الفاتحة الذي نردده 17 مرة في اليوم على الأقل- لذلك فنحن نقرأ ونبحث لنصل إلى الحقيقة، لا لكي نتحدث أمام الناس بما نعرف، وأننا من الجهل بمقام لا يسمح لنا بإن نوجه الآخرين وننصحهم كأننا نملك الحقيقة المطلقة، بل نحن مأمورون بتحريك العقل وأستثماره لنقترب من الحقائق..

وكلا صاحبي أتخذ من الثقافة رزقاً وأسلوباً للمعيشة ! أما أنا فأقف بينهما معتداً برأيي، بإني إنسان يريد أن يكون له تخصص عملي يدر له الربح، ويبني في مجتمعه ودنياه من خلال تخصصه، بينما يهتم بتنمية ثقافته وتغذيتها ولكن دون الإغراق، ولا زلت أعتقد بإن التحديات العملية و الحياة الوظيفية لها عمق ثقافي مهم يجهله الكثيرمن المثقفين اليوم، وإن المثقف العملي الذي تخصص وحقق أنجازات ملموسة على أرض الواقع، هو الأقرب لقلوب الأبشر والأقدر على إحداث التغيير! أما الذي يعيش حلماً بعيداً عن الواقع وحساباته، فدوره في التقدم والبناء محدود بل معدوم..

ولا زلت أرقبهما عن كثب، ولا زلنا نجتمع بكل سرية، ولا زلنا نتهامس فيما بيننا كإن الموساد و FBI  يرقبوننا! ولازال لهذه العلاقة طعمها الخاص.. ولكن تطورات الأيام وتغيرات النفوس تجعلني أقف وأحلل، فما زال الأول يملأ بوجه المنتديات والصحف و الأنترنت، منزلقاً إلى الدخول في الطبقة الحاكمة والمتسلطة، ومسخراً ثقافته للوصول إليهم في الكثير من الأحيان.. بينما لا يزال الآخر يغرق في البحث عن الحقائق، لا يكاد علمه وتفكيره يجاوز عقله، فهو حيٌ داخل نفسه، ميتٌ في مجتمعه.. وأقرر أن لا أناقش معهم هذا الموضوع بعد اليوم:فـ” كلٌ يعمل على شاكلته” .. واليوم بعد أن رأيت كيف انطلقت بنا مسارات الحياة  لا أجد أفصح من هذه الآية تعبر عن ما في وجداني و لساني لأهديها لصاحبيّ:

“يا صاحبيّ السجن!

أما أحدكما فيسقي ربه خمراً..

وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه.. قضي الأمر الذي فيه تستفيان”